اوباما حامل شعار التغيير يواجه تحدي اعادة صياغة اتفاقية برتن وودز
طغى وهج الانتخابات الاميركية على تداعيات الازمة المالية التي تصيب العالم وكان الفوز من نصيب باراك اوباما، وها هي الازمة المالية العالمية تعود لتطغى مجددا، واضعة الرئيس الجديد امام تحد قد يكون اكبر من حجم الموقع الذي يمثله!.
الا ان هذا الحدث، وان قيس على مدى مستوى الاهمية لما يصيب العالم اليوم من ازمات، يبقى حدث عرضي حيت ان كل من الفائز، والخاسر، في هذه الانتخابات ينتمي الى المدرسة البرغماتية عينها، وبهذا يكون تصرف الفائز وادارته الجديدة لا يختلف في الجوهر عن تصرف من سبقه، او حتى من نافسه، او حتى من يليه، لكن الاختلاف يكمن في آلية التطبيق للوصول الى الهدف المنشود.
فالمسألة لا تقف عند حدود من ربح او من خسر، وهي ليست بهذه السطحية المشوهة التي يعممها البعض وكأن ما يحدث اليوم في جميع انحاء العالم، ان كان على المستوى السياسي، ام الاقتصادي، ام الاجتماعي، ما هو الا وليد لحظة ووجد من فراغ وان اتى اوباما او جون ماكين فسيكون الحل القادم مع هذا المرشح افضل من الحل الذي كان يمكن ان يأتي به ذاك، والعكس بالعكس. وكي لا نغوص في تفاصيل اكثر قد تخرجنا عن سياق الموضوع يمكن العودة لمن يرغب، ولمن يظن بأن فوز هذا المرشح الاميركي او ذاك سوف يحضر معه التغيير في السياسة الاميركية الخارجية، وتحديداً تجاه منطقة الشرق الاوسط التي يعمل الآن على اعادة صياغتها لتصبح "الشرق الاوسط الكبير"، او "الجديد"، التي ظنت وزيرة الخارجية الاميركية، كونداليسا رايس، بأنه بمجرد الاعلان عن قيامه سوف يقام، وذلك عندما اعلنت عن "مخاض" ولادته من موقع رسمي في لبنان خلال العدوان الاسرائيلي عليه في صيف 2006، فإنه حتى تاريخه لم يقام ومازال يواجه عقبات جمة، لكن هذا لا يعني بأنه هزم بشكل كلي الى ثلاث مقالات نشرت في مجلة Foreign Affairs، وهي ذات مكانة مرموقة لاظهار توجهات السياسة الخارجية الاميركية ويمكن اعتبارها الناطق والمعبر الرسمي لهذه السياسة. مقالات كتبت من قبل المرشحين الرئيسيين الثلاث لقيادة الولايات المتحدة الاميركية وهم هيلاري كلينتون، وجون ماكين، وبراك اوباما، حيث اجمع الثلاث في مقالاتهم المنفصلة والمعبرة عن توجهاتهم ورؤيتهم لكيفية المعالجة والتعامل مع ما يحدث على مستوى الداخل، اي الشؤون الاميركية الداخلية، والخارج.
كيفية معالجة الامور الداخلية شأن داخلي، كي لا نتهم بالتدخل "بالشؤون الداخلية"، على الرغم من انعكاساته على الشؤون الخارجية، وكون هذا الانعكاس ضئيلاً لن نأخذ من معالجاتهم سوى ما له تأثير وارتباط بالشؤون الخارجية قبل اخذ الشؤون الخارجية بشكل منفصل.
اجمع الثلاث، في مقالاتهم، على ان "الامة" الاميركية "امة عظيمة" وعليها "قيادة العالم مجددا"، وهذا ما يعني ان المفهوم الامبراطوري هو جوهر البنية الفكرية القائم عليها رسم السياسة الاميركية، وما يؤكد هذا ما قاله ريتشارد نيكسون في كتابه "أتحتاج اميركا الى سياسة خارجية؟".
التوسع احد اسس النظام الامبراطوري، ما يعني بأنه على الامبراطورية العمل بشكل دائم على عملية توسعها عندما تسنح لها الفرصة، اي جدولة صيغها الاستعمارية بما يتوافق مع مصالحها، الاقتصادية بشكل اساسي، لما لهذا العامل من تاثير مباشر على مستوى الاستقرار
الداخلي للنظام، ومفهوم "الرفاه الخلدوني" مصيب هنا في هذه القراءة الداخلية لبنية المجتمع الاميركي، طبعا مع بعض التطورات الزمنية التي حصلت منذ حينها حتى اليوم، والمقصود هنا ليس الاخذ بالنص، اي النص الخلدوني، على انه نص مقدس بل المقصود هو اخذ النص بما يحتويه من منهجية علمية لقراءة ما هو قائم،، اومناهج علمية، والعمل على تطبيقها، بما يتوافق مع البنى الفكرية المعاصرة، و"المعاصرة" هنا بمعنى ملاءمة العصر مع ما يحملة النص من تطور في البنى الفكرية المتشكلة في المجمتع المحيط بها وما فوز اوباما الا دليل على مدى تغير البنى السكانية داخل المجتمع الاميركي، فالمسألة ليست مجرد فوز شخص من اصحاب البشرة الملونة يفوز بالانتخابات بل هي اعمق من هذا، كونه اشارة اولى لمدى هذا التغير السكاني، والذي حذر منه اكثر من مرة صامويل هانتغتون، صاحب صناعة "صراع الحضارات"، وما كتابه بعنوان "من نحن" الا دليل على مدى التخوف، وليس الخوف، مما يجري داخل البنية السكانية في المجتمع الاميركي، خاصة وانه مجتمع معتمد بشكل كبير في اعادة نموه على عامل "المغتربين"! لكن هذا التغيير في البنى السكانية لا يعني وجوب تبدل المنهجية البرغماتية للبنية الفكرية للمجتمع برمته، وهي ايضاً تتبدل وتتغير، لكن ليس بالسرعة الموازية لسرعة تغير البنية السكانية، مع لحظ ان اوباما هومن الجيل الاول المولود في اميركا، اي ان جدته واقربائه المغتربين مازالوا على قيد الحياة في بلدهم الام، وللتوضيح بما هو مقصود يمكن العودة الى كتب حول "الانصهار الاجتماعي" وكيفية العمل على جعل المهاجر، المهاجرين الى اميركا، جزء لا يتجزء من بنية المجتمع الاميركي، وتحديداً البنية الفكرية.
من هنا يمكن اعتبار فوز اوباما نقطة تحول في المجتمع الاميركي، وليس في السياسة الاميركية، فإنه على الرغم من الارتباط البنيوي ما بين البنى المجتمعية والبنى السياسية لكن ما حدث هو تغير في البنى السكانية وليس تغيير في البنى الفكرة البطيئة التغير، وما يؤكد هذا فإنه وفقا للإحصاءات فإنه في عام 2040 سوف يصبح "البيض" اقلية في اميركا.
وبالعودة الى مفهوم "التوسع" في المفهوم الامبراطوري يمكن ملاحظة الاختلاف في صيغ التوسع المتنوعة من التوسع العسكري بشكله المباشر، كاستعمار العراق، ودعم المستعمر كما يحدث في فلسطين من دعم للكيان الصهيوني وصولا الى "الاستعمار الفكري"، وهنا الاختلاف مع ادوار سعيد، فما يحدث ليس مجرد استعمار ثقافي، بمعنى سيطرة الـ "انا" على الـ "انت"، او العكس، وما يجب ان يكون هو الـ "انا" والـ "انت"متناسقتين لتكوين "نحن" المتشكلة من الـ "انا" والـ "انت"، بل استعمار فكري انطلاقا من ان الثقافة تمثل جزء من البنى الفكرية وليس الكل، والثقافة هنا مستخدمة وفقا لتعريف تايلور، وما يحدث اليوم هو العمل على استعمار الكل وليس الجزء.
فالامبراطورية، بجوهرها قائمة على مبدأ التوسع وفي البنية الفكرية قائمة على مفهوم "الاستعلاء" (Superiority). ما يعني بأن "الامبراطورية"، بما تمثله من "امة" هي "الارقى"، على جميع المستويات الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، ومن هنا يكون لها حق الصلاحية، التي منحته لنفسها بقيادة العالم معتمدة في حقها هذا على مفهوم "الامة العظيمة" التي عليها "قيادة العالم" لما هو افضل من وجهه نظرها هي دون الاخذ بأي وجهة نظر اخرى يمكنها ان تساهم في هذه القيادة، كونه لا يجوز "للادنى" مشاركة "الارقى"، بل ينحصر دوره في عملية التلقي و"الاستتباع" لما يأتي من "الارقى" ليخرج "الادنى" من "دونيته".
فالاجماع من قبل المرشحين السابقين، والفائز الحالي، اوباما، على مفهوم "الاستعلاء" وقيادة العالم يعني "لا اختلاف" ما بين اوباما والخاسرين في الجوهر بل الاختلاف يكمن في كيفية تطبيق هذا المفهوم. ويؤكد هذا ايضاً هو انهم، اكدوا على اهمية نشر "القيم" الاميركية لتكون هي السائدة، ايضاً على المستوى العالمي، وليس فقط المحلي، وما نشهده اليوم، على سبيل المثال لا الحصر من مفهوم "الاستهلاك"، والزامية فرضه على العالم ليتماشى هذا مع نمطيه "الاستهلاك" الاميركي، والمثل الاخر هو "دمقرطة" العالم!!، وهناك ما يكفي ويفيض حول هذا المفهوم ابتداء من افغانستان وصولا الى العراق، ومفهوم "السلام"، ومفهوم "الارهاب"... وغيرها من المفاهيم المبهمة التعريف، وبهذا فعملية الجمع الاولي مابين مفاهيم "الامة العظيمة"، و"قيادة العالم"، وتعميم، او سيطرة، "القيم" الاميركية، يعملون بشكل شبه متكامل لتظهير، وبلورة، ما هو قادم على مستوى السياسة الخارجية.
ومن جهة اخرى، وتحديداً على مستوى العلاقات الخارجية، تبقى ايضاً المنطلقات واحدة، ما بين المرشيحن السابقين، والفائز الحالي، وكالعادة تبقى "اسرائيل"، والحفاظ على امنها هو "الهدف" الاساسي للسياسة الاميركية، على الرغم مما ابداه بعض الساسة الصهاينة من تخوف من فوز اوباما حيث ان هذا "التخوف"، لا ينبع من خوف، بل ينبع من القلق على مستوى الحفاظ على "الكيان الصهيوني"، كأولوية، من قبل هاذين المرشحين، على الرغم من تأكيدهما على ان امن هذا الكيان هو من "المقدسات"! وايضا هنا يمكن رؤية ما يعني هذا، وما حرب تموز سوى جزء من هذا المفهوم، الذي تلقى الصدمة الاولى لمضمونه عندما هزم من قبل "حزب الله" ومقاومة معظم الشعب اللبناني حيث كل من كان من استطاع ان يقاوم قاوم في الوقت الذي يمكن فيه مراجعة الموقف السياسي "الرسمي" من هذا العدوان!!
اما بالنسبة للعراق المحتل من قبلهم، فالاختلاف ما بين الفائز، والخاسر، لا ينبع من الاختلاف ما بين ايديولوجيتين مختلفتين واحدة ذات مرجعية تعود الى "حق الشعوب في تحقيق مصيرها"، والاخرى تعود الى مفهوم" الامبراطورية" وحق "قيادة العالم" وتعميم، او نشر، "القيم" الاميركية، بل الاختلاف ما بينهم يكمن في كيفية استكمال السيطرة على هذا البلد، أيكون بطريقة مباشرة او يكون بطريقة غير مباشرة؟، حيث الاختلاف يكمن ما بين ابقاء "الجنود الاميركيين"، على الارض، مع احتمالية خفض او زيادة تعدادهم، ام الانسحاب، وهنا ليس "الانسحاب" بالمفهوم التقليدي بل بالتحول من التواجد المباشر "على الارض" الى التمركز ضمن قواعد عسكرية محمية مع تشكيل نظام سياسي تابع ويعمل على حماية هذه القواعد العسكرية، وفي كلتا الحالتين يبقى العراق مستعمرة اميركية.
اما الحال بالنسبة لافغانستان فهو ايضاً شبيه، في الجوهر، لما هو قائم في العراق، مع اختلاف في آلية التعاطي مع المحتل لاختلاف ظروف الاحتلال وطبيعة المنطقة المحيطة، والمقصود هنا بطبيعة المنطقة المحطية ليس فقط من الناحية الجغرافية بل ايضاً الطبيعة الجيوسياسية للمنطقة!
اما ايران فهي حالة قائمة بحد ذاتها كونها ما زالت حتى تاريخه لم تمس بشكل مباشر من قبل الاله العسكرية الاميركية، فهي ما زالت بوجهة نظر، الفائز في الانتخابات، والخاسر، تمثل "العدو" الاول، والسبب الرئيسي المعلن عنه كونها "عدو"، هو محاولة قيامها في استخدام الطاقة النووية لاغراض لا سلمية، كما تقول اميركا، ولاغراض سلمية كما تقول ايران!!
وتبرز وجهات النظر هنا في التعاطي معها ما بين البدء بحرب "استباقية" لمنع ايران من احتمالية التحول الى دولة تملك "اسلحة نووية"، ان كان هذا الادعاء صحيحا او ان كان في نيتها القيام بهذا، وما بين التعاطي معها، في البدء بشكل دبلوماسي، وان لم ينفع يتحول الى القوة العسكرية، بضرب منشاءتها النووية بالوسائل الممكنة، من "اسرائيل" وصولا الى جورجيا (سابقاً ما قبل حربها مع روسيا).
وإذا ما جمعت كل هذه الامور يظهر بأن الفائز، والخاسر، والقادم، مجمعين على توجهاتهم الرئيسية لكنهم مختلفين في سبيل تطبيقها.
وهذا يعني ان التحديات الكبرى اما الفائز الجديد يمكن حصرها في المبدأ بتحد واحد وهو "اعادة الاحترام لأميركا"، بعد ان بدء مشروعها السياسي، وتحديداً الخارجي، يصطدم بعقبات رئيسية من فشل سيطرتها على العراق بشكل كلي ، وصولا الى تعليق، او تأخير، توقيع الاتفاقية فيما بين المستعمر(بالكسرة) والمستعمر (بالفتحة)، وفشلها في افغانستان، بالاضافة الى فشلها في دعم فريقها الفلسطيني ليكون هو سيد الموقف، خسارتها حرب تموز، وكان ختاماً خسارة جورجيا عسكريا وسياسيا!!
ولذا وجب اعادة "الاحترام" الذي فقدته وهي المهمة الاولى للرئيس الحالي، وهنا "الاحترام" لن يكتمل الا بالانتعاش الاقتصادي خاصة بعد ما اصاب اميركا من ازمة مالية.
فمنذ العام الماضي واميركا تعاني من مشاكل اقتصادية متراكمة ادت الى الانفجار وكانت الازمة الائتمانية وتداعياتها التي اصابت العالم، وقد يكون احد اسباب هذه الازمة، بالاضافة الى الازمة البنيوية التي يعاني منها النظام الرأسمالي، هو مدى صحة مقولة" ان العالم ينتج واميركا تستهلك".
فأصاب "وول ستريت" صدمة ادت الى خسارته المليارات مما دفع النظام السياسي الى التهافت لانقاذ هذا القطاع وضخ المليارات خوفاً من افلاسه، وعمل، وما زال يعمل، على حماية الاقتصاد، القائم في بنيته الاساسية على القطاع الخاص وتحديداً المصرفي، وبدأت الصرخات من هنا ومن هناك تتعالى لتقول بأن الدولة بدأت بالتأميم وهذا يتنافى مع مبداء حرية الاسواق. بينما ما يحدث في الواقع هو "كينزية جديدة"،
هذه الخضة، كي لا نقول انهيار، ادت ايضا الى خضة اقتصادية على مستوى العالم لما هناك من ترابط في بنية هذا الاقتصاد العالمي. وعمل ايضا على اثبات عدم فعالية "النظم الرأسمالي الاميركي"، ان صح التعبير، كون صحيح معظم، ان لم يكن كل، العالم يتبع النظام الرأسمالي في تعاطيه الاقتصادي، لكن هذا لا يعني وبكل تأكيد ان النظام الرأسمالي هو نظام واحد وموحد في جميع انحاء العالم، وعلى سبيل المثال اميركا نظام رأسمالي وفرنسا نظام رأسمالي لكن هنك فروقات، وان لم تكن جوهرية لكنها فاعلة، ما بين هاذين النظامين الرأسماليين. والاختلاف الاساسي الذي يكمن ما بين النظامين الاميركي والاوروبي، بشكل عام، هو الاختلاف في دور الدولة لادارة السوق. فالاول قائم على مبدأ السوق تدير ذاتها بذاتها من دون اي تدخل يذكر من قبل الدولة سوى على المستوى التشريعي لانظمة السوق، اما الثاني فقائم على مبدأ حرية السوق ايضاً لكن مع ابقاء حيز صغير للدولة كي تضبط انفلاته.
وعند فشل النظام الاميركي تعالت الاصوات الاوروبية، واكثر من عبر عنها الرئيس الفرنسي ساركوزي، بوجوب ايجاد نظام مالي عالمي رأسمالي جديد، وهو النمط الاوروبي، واعادة صيغاة دور المؤسسات المالية الكبرى، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، في الاقتصاد العالمي.
بالمجمل ما يعني التحول من نمط القطب الواحد في إدارة الاقتصاد العالمي الى نمط تعددية الاقطاب، وهذا ايضا ما تحدث عنه رئيس البنك الدولي، خصوصاً بعد صعود اقتصاديات بداءت تنافس الاقتصاد الاميركي مثل الصين وغيرها من الاقتصاديات الناشئة. وما يزيد الامور تعقيداً في الابقاء او الحفاظ على احادية القطب، هو الظاهرة التي تواجهها اميركا والمتمثلة بتحول رأس المال منها، ومن الدول "المتطورة"، الى الدول ذات الاقتصاديات الناشئة، او "الافقر"، وهذا ما يقود مرة اخرى الى مصداقية المقولة" العالم ينتج واميركا تستهلك".
وها نحن اليوم نشهد المطالبة بإعادة صياغة لاتفاقية "برتن وودز" وبدأء الحديث حول امكانية تشكيل "برتن وودز" تتلأم مع القرن الـ 21. في الاولى كان مطلوب من اميركا، الغنية، انقاذ بريطانيا المنتصرة، لكن المفلسة، فكانت "برتن وودز" واليوم بعد هذا التبدل، الذي بدأء يؤسس لتغيرات جذرية، مطلوب من الصين، الغنية، إنقاذ اميركا، المديونة، وهذا لن يحدث ما لم يكن للصين مركزاً مؤثراً في المنظمات الدولية العالمية من صندوق النقد الدولي وصولا الى البنك الدولي.
وما يجدر لحظه هنا ان احد اهم اسباب فشل "برتن وودز"، بالاضافة الى ما يحمل النظام الرأسمالي من تناقضات في بنيته تجعل منه نظام مصاب بأزمات بشكل شبه دائمة، فما يحدث اليوم ليس بالازمة الاولى ولن تكون الاخيرة التي تصيب هذا النظام، هو تخلي اميركا عن تنفيذ بنود هذه الاتفاقية واجبار الاخرين على اللاتزام بها!! وتحديداً بعد ان ربطت عملتها بالنفط واضبح "البترو- دولار" هوالسيد الاول لاقتصاد العالم!!
وهذه ليست المرة الاولى التي يدعو "فيها القادة السياسيين لتعديل اتفاقية "برتن وودز" التي ابرمت عام 1944، لتلائم مصالح الطبقة السياسية الرابحة على مستوى العالم، فقد طرحها رئيس الخزينة الاميركي، دونالد ريغن، عام 1982، بعد ازمة الدين اللاتيني، ايضا بعد انهيار سعر الفرنك الفرنسي دعى رئيس فرنسا في حينها، فرانسوا ميتران، الى "انه حان الوقت للتفكير بشكل جدي لـصياغة برتن وودز جديدة "مضيفاً" خارج هذا الاقتراح لن يكون هناك خلاص". كما طرحت فكرة التعديل مجدداً عند حدوث ازمة 98-1997 وقال طوني بلير "يجب ان نعاهد انفسنا اليوم على بناء برتن وودز جديدة للألفية القادمة."!
اليوم ومع الازمة الراهنة لم تعد الاصوات متفرقة بل اصبحت شبه موحدة وصولا الى حد قول روبرت زوليك، رئيس البنك الدولي، وهو المؤسسة التي تعيد الداعم الاول للسياسة الاميركية، "لم تستثن الازمة اي بلد... نحتاج الى تحديث النظام المتعدد الاطراف... سنرى في غضون السنتين القادمتين تغيرات حقيقية في النظام العالمي"، ويدعمه صندوق النقد الدولي، والذي يعد الابن الشرعي لاتفاقية برتن وودز، بتأييد الاقتراحات الداعية الى وضع اسس جديدة لاتفاقية "برتن وودز".
هذا التعثر في السياسة الخارجية والواقع الاقتصادي المأزوم يضع الفكر "الامبراطوري" امام تحد كبير ورثة الرئيس الحالي، وطبعاً الوراثة هنا ليست مسألة اتت مع بوش بل بداءت بالتراكم منذ السياسة "الريغانية"، نسبة الى عهد ريغن، وحتى الان، وهذا لا يعني بأن بوش بريء بل عمل على تسريع هذا الارث وتوسعه، فهل سوف يورث اوباما الرئيس القادم بعض الحلول المساعدة على طول عمر "الامبراطورية" الاحادية القطب؟ ام انه سوف يكون هو اول من يشهد بداية التحول الى "برتن وودز 2" المؤسسة لنمط امبراطوري متجدد يتشكل من "امبراطوريات رأسمالية"؟ كون التحدي اكبر من مقدره المركز الذي يمثله!! وفي كلتا الحالتين لا يكون اوباما حامل شعار التغيير بل التغيير هو الذي يحمل اوباما، وهنا ايضا يمكن مقاربة الموضوع، فوز اوباما، من زاوية اخرى الا وهي العلاقة الجدلية ما بين المركز والفرد، على امل ان يتناولها البعض انطلاقات من زاوية مدى تأثير المركز في اختيار الفرد ومدى تأثير وتأثر الفرد في المركز.
لعل ما كتبه اوباما في المجلة، السابقة الذكر، يعطي الاجابة كي لا نكون "ملوكاًً اكثر من الملك"!